الأربعاء، ٢١ أيلول ٢٠١١

ليش؟!


لــــيــــش؟!


رازي نجار

على الضفة الثانية من المفاجأة التي تنتظرني في آخر الفقرة الثالثة، وقفت مع ابنتي، التي أربيها وتعيد تربيتي كل يوم، على الرصيف المرقع المحاذي لبيت "تيتا". كانت الخطة أن نقطع الشارع باتجاه حظيرة الحيوانات مساهمة مني في جسر الهوة بينها وبين الطبيعة، والتي فرضتها عليها بعد اتخذت من المدينة بيتا لي ولها – ذلك أن هناك في المدينة، ليس "البقر" سوى فعالية تربوية في الحضانة، أو تعليل يصدر عني كلّما استيقظَت فزعًا على دوي انفجار مفرقعات تعليلية تقلق منام الشق العربي من المدينة الساكنة على البحر؛ "ليش الصاروخ بابا؟" تسألني صاحبة الـ"ليش" اللا نهائي، فأجيبها "بقر بابا"، فتنام.. بعد ساعة!

نعود إلى الرصيف المحفّر، حيث اخترت أن أنتهز الزيارة إلى الجذور وأن أعلمها درسًا في قطع الشارع، في صيغته القروية؛ فإضافة إلى "ننظر إلى اليمين، ثم إلى اليسار" التي تعرفها (لا أعرف من أين!)، هنا "ننظر إلى الأسفل"، ثم استبقتُ الـ"ليش" المتوقع بجواب يشرح لها بلغة مبسطة التراكمات الاجتماعية والنكبوية التي أدت إلى عزوف بعض أصحاب "بيوت الحجر" عن الارتباط بمشروع المجاري البلدي – وليس من منطلقات الحفاظ على جودة مياه البحر المتوسط. "أراااف" قالت ضاحكة، وقطعنا الشارع.

"هذا ديك، وهذه دجاجة (طبعًا، لا أكلمها بالعربي الفصيح)، وهذا خروف، وهذا كلب جعاري، وهذه بقرة، وهذا حصان، وهذا ابن الحصان. كيف صوت الحصان؟.. وهذه شجرة ليمون، وهذه رمانة، وهذه شجرة مريخوانا، وهذه دالية عنب"، مريخوانا؟!!

أخذت نفسًا (هواء، ونتن أيضًا، مما اقتضى التنويه)، ثم بحلقت أشد بحلقة بالنبتة الخضراء اليانعة اليافعة المتمردة الثائرة الخارجة عن القانون الرسمي والأعراف الاجتماعية المعلنة، لأتأكّد من صحة ما أرى وأشم. لم تكن شتلة، كما تُدعى هذه النبتة عادة، بل كانت شجرة تجاوز ارتفاعها طولي الفعلي (1.74 م) وحتى طولي المعنوي (1.91 م)، شجرة بكل ما تحمل كلمة شجرة من براعم. 


ها أنا إذا، واقف مع طفلتي أمام جناية قانونية تزداد العقوبة عليها كلما ازداد حجمها ونموّها. عقلي المهلوس بدأ بكتابة السيناريو المحتمل: صاحب هذه المشروع الزراعي لن يستطيع أن يفلت من مسؤوليته عن ظهور نبتة القنب في أرضه بادعاء أن بذورها موجودة في علف الطيور (حقيقة علمية) وبالتالي هي إرادة الطبيعة – طبعا إذا استطاع أن يثبت للمحقق الأزرق-أبيض أن الطبيعة، جل جلالها، قادرة على بناء سياج معدني دائري الشكل يحيط بالنبتة، وفزاعة من قش تبعد عنها بعض الطيور الكسولة الراغبة في التحليق "بالهاي" مجازًا!


تسألني الصغيرة المتململة بجانبي والتي انتبهت بفطنتها الحادة إلى أن الشجرة اياها سرقتني عنها "إيش هاي بابا؟". أجيب بأنها لعمّو الذي يسكن هناك. "ليش؟" المتوقعة أخرجت مني جوابًا مبهمًا؛ "عشان يتمسك بالسعادة بابا".
-      ليش؟
-      لأنُّه فش عندو ولاد!

هامش ضروري:
أظهر بحث نشر في عدد تموز 2008 من مجلة Pediatrics العلمية، وشارك فيه باحثون من كلية الطب في يوستون وباحثون من جامعة لندن، أن ابتسامة الطفل تحرك في دماغ الوالدين مناطق تنشط أثناء الإدمان على المخدرات، وتمنحهم نفس الإحساس بالنشوة.  


الأحد، ١٢ حزيران ٢٠١١

status@





الاثنين، ٢٤ كانون الثاني ٢٠١١

حفاضًا على القضية


حفاضًا على القضية!

نزولا عند أمر العقيد الذي لا يستطيع أي مُخرج أن يخفيه من حارتنا الشرق أوسطية، معمر القذافي، وضّح الله مخارج حروفه، قمت قبل شهور تسعة، وفورًا عقب النداء الموجه منه لوفد متابعتنا نحن الجماهير العربية، بالمساهمة للمرة الثانية في توجيه ضربة قاصمة للمشروع الصهيوني، وفي عقر بيته-بيتينو. ملتزم بحماس شبابي بتوجيه عظيم الأمة، ومؤمن أشد إيمان بأن مقاومة أنستاسيا ميخائيلي والدولة الديموغرافية الوحيدة في الشرق الأوسط لن تبلغ أهدافها إلا بتخصيب القنبلة المنوية الموقوتة الكامنة فينا، سأقف بعد أيام، لن تتعدى العشرين، في مستشفى بني صهيون الحيفي، في يساري كاميرا ديجيتالية (10 ميغا بيكسل، للبيع) وفي يميني كاميرة فيديو بيتية، لأوثق ولادة من سيجهز على حريتي فداء للمشروع التحرري الأجلّ.

وبالرغم من مشاعر الفرح المشوب بالرعب والترقب، إلا أنني أشعر لسبب ما بأنني خُدعت، وبأن الوفد القيادي التمثيلي الذي عاد من الجمهورية الليبية محملاً بالدعوة إلى التكاثر، أهمل إلى حد مريب الخطوات التنفيذية الضرورية والحتمية لتوليد هذا المشروع. فمع أنني متابع للمتابعة واجتماعاتها، لم أسمع حتى يومنا هذا عن إقامة لجنة أو جمعية تدير هذا المشروع التحرري أمام الحكومة الليبية الشقيقة، من حيث تخصيص الموارد والدعم المعرفي والصحي ول ول. إذا كان وفدنا قد أغفل هذا النداء لسبب تافه مثل النزاعات الحزبية والفئوية، فليعلم أن كل المسؤولية الآن تقع على أكتافه التعددية. في حينه وقفتم في ظل خيمته وصفقتم له في ختام كلمته حتى احمرّت أكفّكم وصارت مثل لون وجنات بعضكن، ثم تفرقتم كل إلى مشغلاته، فماذا يفعل الآن آلاف المناضلين المطيعين الذي لبوا نداء التحرير؟!



أرى، من باب التمني لا أكثر، أن تلتئم القيادات حالا وسريعا قبيل انقضاء المدة التي تمنحها الطبيعة عادة لوصول أول فوج، وأقترح لغرض إضفاء أجواء ملائمة وملزمة أن يعقد الاجتماع الاستثنائي في مجمع "ماي بيبي" اليركاويّ– قِبلة الحوامل الذي لا يكتمل الفرح من دون الحج إليها تسع مرات كأدنى حد. هناك، في الاجتماع الذي لن يعقد، سيكون بوسع قياداتنا الفقيرة ماديا أن تعوض عن فقرها بنقل خبراتها ومواهبها الشخصية إلى الأهل؛ فمثلاً، من المؤكّد أننا سننهل من معرفة د. زحالقة في الصيدلة (وجع الرأس هو عنوان المرحلة)، أما الشيخ الفحمي سيكون خير مدرسة في تحمل مشقات الحبس المنزلي، والشاطر يفهم...


سؤال مشروع!

لكن عتبي الأكبر هو عليك يا نيافة العقيد، ذلك أن في أيامنا هذه لم يعد مشروع التحرر الذي طرحته ميسرا وسهلا ككلام الخطب الصحراوية كما تعتقد، فمشروع التحرر هذا بحاجة لحفاض يضبط إفرازاته ويؤطّرها، ومشروع التحرر هذا بحاجة لأياد متفرغة لتطبطب ولمستحضرات علمية لتطبِّب الغازات المكتشفة في باطنه، ومشروع التحرر هذا بحاجة للمراهم المخففة للتهيجات، فهل يرضى عقيدنا بمشروع تحرر يعاني من "الصمات"؟! ألا يكفينا مشروع أبي مازن؟














الثلاثاء، ١٨ كانون الثاني ٢٠١١



الخميس، ٥ آب ٢٠١٠

الخميس، ٨ تموز ٢٠١٠


الثلاثاء، ٦ نيسان ٢٠١٠

لولو/ليــــــــــــش؟!

لولو/ليــــــــــــش؟!


أجّلنا ثم أجّلنا وأجّلنا، وفصل الشتاء منـزوع التعريس كان خير سند لنا في تأجيلنا هذا، لكن كما هو مكتوب علينا جميعًا في هذه النقطة المنقِّطة من الكرة، جاءنا الصيف، وجاءنا معه مكتوب من المكاتيب ايّاها التي لا مفر منها؛


إلى حضرة السيّد (متأسف، لكن هكذا عنوَنوني عنوة عني – مع الاحترام للسيد الحبيب الواحد الأحد نصرَهُ الله...) المحترم (شكرًا) رازي نجار وعائلته المحترمين (شكرًا مرة ثانية باسم العائلة)...

هذه المرة عجزنا عن التأجيل، فالداعي هو قريب حماي العزيز، والحياة في جانبها الديموغرافي هذا سلف ودين أو أخذ وعطاء، فما وَرَد صندوقك عندما ارتكبت فرحًا جماهيريًا قبل سنوات ثلاث، حتمًا سيودعّه منتفخًا بعلاوة يحددها جدول غلاء المعيشة، ضرب عدد السنوات، وبحسب القيمة الآنية للوجبة في بورصة الأعراس – لب الاقتصاد المحلي الباكي في وطنه..

لذا، أمام كل هذا، كان واضحًا أن علي أن أضع "رقصي بين الروس" وأن أحوّل كلمات أغنية الأعراس النكبوية "درب الرامة بنعرفها" إلى واقع مرقوص؛ فهيّا يا بابا إلى بلد الماما، فقد آن الأوان لأن نعمّدك بركن أساس من أركان العروبة في صيغتها ما بعد الحداثية!

الطريق كانت طويلة، فمنذ أن أصبحت محفضًا جديدًا قبل شهور خلتها دهور، لم يرقَ عقرب السرعة في سيارتنا الفخمة/شعبية الثمن حاجز السبعين كلم في الساعة، فمن غرائب الأمور أن دخولي عالم الأبوة حوّلني، في هذا الباب – باب السواقة، إلى أم؛ أسوق بحذر شديد، ركن السيارة يستهلك ربع ساعة من وقتي وينتهي على بعد متر من الرصيف وملم من السيارة التي خلفي، أحفّ السيارة مرتين في الأسبوع، أشعر أن الشارع ملك أبي، أتعامل مع كل السائقين حولي كأعداء متربصين بي، وأتفاخر بأنه لم يعترضني شرطي مرور بمخالفة صادقة أو ظالمة في حياتي السيّارة!!

وصلنا أرض الحدث الجلل في الساعة الحادية عشر إلا موّالين، والحديث للتوضيح يدور عن سهرة بيتية أهلية "مضبضبة"، لم يحضرها أكثر من أربع مئة نفر (لا يشمل القواريت) من المقربين جدًا جدًا.. جدًا. ركنت السيارة في الزقاق المؤدي إلى ساحة المعركة، وباشرنا أنا وشريكتي المحفِّضة في استكمال العملية الإجرامية بحق غاليتنا النائمة في الكرسلّة.


(استراحة لغوية: "كرسلّة"، كلمة يقترحها كاتب هذه السطور مساهمة منه في طرح بديل لـ"سال-كال" العبرية، وأصلها من "كرسي" و"سلة"... ).



المهم؛ أيقظنا الصغيرة من عالم الأحلام، لنضعها مباشرة في عالم ولا بالأحلام، إن لم أقل: عالم الكوابيس. من أين نبدأ؟!
نبدأ من النهاية، من انسحابنا غير المخطط.


كان ذلك بعد أن انتصف الليل وبلغ الـ"تكليتان" الزبى بعد إعلانه عن الفرضية الجنسانية المثبتة أن التي تقصِّر تنورة حتمًا ستلحقها عيون الشباب، فحُمل العريس على أكتاف منفوخة التضاريس وصرخ مكبّر الصوت آمرًا: احلق يا حلاق، ثم استدرك "تمهّل يا حلاق" فضعنا نحن بين حيص وبيص، وقلت في عقلي "يلعن هالتعـ....ص"، إذ بدأ المعازيم المحبون يخبصون ببعضهم تخبيص، هذا يرش ماء، وذاك ينعف العطر الرخيص، وذاك الولد يقذف خيوطًا ملونة من أنبوب، وبقجة هنا ومنشفة هناك، ووجوه غير مألوفة تسألني بلكنة راموية "أطول من المدّة" عن حالي وعن إيفا وعن المحفَّضة التي أضم ضما شديدًا وسط هذا الجمع المزيَّن والمزيِّن ويتمنى لي أن أزيِّن صغيرتي بعريس..

كانت صغيرتي، بفعل تجربتها الأولى في ساحة المعركة الملتهبة هذه، صافنة شأنها كشأن أي قادم جديد، تحاول أن تلملم ما سلم من حواسها النعسة لمراقبة ما يجري أمامها من محاولة اغتصاب طيبة النوايا كان ضحيتها العريس. ها هي المحمية غير الطبيعية ذات الهدوء النسبي التي دأب والداها على إحاطتها بها منذ أن أبصرت نور غرفة الولادة تنهار وتتفتت أمام واقعًا عربيًا صاخبًا سريع الاشتعال. أمام هذا كله، أو للتحديد الجغرافي أقول "وسط هذا كله"، لم تجد محمولتنا المحفضة إلى الخلاص سبيلاً سوى اللجوء إلى حنجرتها القوية وعينيها الدامعتين بسخاء، بكاء اشتد مع بلوغ فعل الحلاقة الافتراضية (فهي تتم بلا شفرة حقنًا للدماء) قمة جديدة من خلال استجابة أولاد عم العريس إلى النداء الملحّ الملزم "شيعوا لولاد عمو ييجولو"، فجاؤوه بصرعة الأعراس المناوبة؛ كيلوغرامات مكعبة من المفرقعات النارية المسماة، تلطيفًا، ألعابًا.

الانفجارات الملونة التي ملأت سماء العرس فرحًا مدويًا في قلوب الكبار، أشعلت النخوة العربية المكبوتة في قلوب جيران العرس من بني معروف فاستل اثنان منهما بندقيتين احتلاليتين من ترسانة جيش الدفاع الإسرائيلي ومزقا فضاء القرية المسالمة برصاص ابن عرس، دب الرعب والنقزان في نفس صغيرتي!

في تلك اللحظة، كان أمر الانسحاب لا جدال فيه، وصدر من دون كلام وبمجرد التقاء عيناي بعيني شريكتي الأم الحنون، ذلك أن "عرس" ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد!
وصلنا السيارة بعد أن كنت شققت طريقي إليها من بين الجموع الكثيفة مستعملاً تكتيكًا حربيًا يوفق بين ابتسامة المجاملة وبين ضرب الكوع، تاركًا ورائي عشرات الجمل المعاتبة والمندهشة من فئة "عزا مالها البنت"، و"بنفعش هيك، بعدكو مش واصلين" و"البنت لازم تتعوّد ع الضجة"، "هيك بتربوها؟"...

صحيح، صارحت نفسي، البنت لازم تتعود عَ الضجة، وعرس خالها على الأبواب، ما فرض علي إصدار الفرمان التالية بنوده:

أولاً: تُجمع كل أغاني الأطفال المتوافرة في بيتنا وترمى في الزبالة، بما فيها أغاني فيروز وريمي بندلي وكل الحطة بطة على أنواعها، وتُستبدل بألبومات محتلنة لوسام حبيب (حفلة بعلبك) وشفيق كبها وابراهيم صبيحات.

ثانيًا: لا سيميلاك بعد اليوم. آن أوان البيرة مكابي والكبة النيّة.

ثالثًا: وداعًا للّيغو والدمى، وأهلاً في الألعاب النارية والمفرقعات.

رابعًا: بدلاً من تحفيظ ليلى أغانٍ كـ"وينها ليلى وينها ليلى، هيّاها..."، يُعمل على تلقينها الآويها والزغاريد حتى موعد أقصاه أكتوبر 2009.

خامسًا: أية مخالفة لبنود الفرمان، تعتبر مس بالهُوية القومية للمحفَّضة الجديدة، وهي خطيئة لا تحتمل لا تبريرات ولا تعاليل!